يُعد وعد بلفور واحداً من أخطر المنعطفات في التاريخ الفلسطيني الحديث، ليس بسبب كلمات الرسالة القصيرة التي صدرت في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917 فحسب، بل بسبب ما ترتب عليها لاحقاً من سياسات خلال الانتداب البريطاني غيّرت الواقع السياسي والسكاني في فلسطين.
ومن المنظور الفلسطيني، لا يُقرأ وعد بلفور باعتباره مجرد وثيقة دبلوماسية بريطانية، بل باعتباره قراراً اتخذته قوة استعمارية بشأن مستقبل فلسطين من دون أن يكون شعبها العربي طرفاً في صياغته أو الموافقة عليه.
فبينما تحدث النص الأصلي لوعد بلفور عن إقامة “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”، لم يعترف بالعرب الفلسطينيين بوصفهم شعباً له حقوق سياسية ووطنية، بل أشار إليهم بعبارة “الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين”، مع الحديث فقط عن حقوقهم المدنية والدينية.
وهنا تكمن إحدى أهم القضايا في الرواية الفلسطينية لوعد بلفور: كان الفلسطينيون موجودين على أرضهم ويشكلون الغالبية الساحقة من السكان، ومع ذلك جرى التعامل مع مستقبل بلادهم من دون منحهم حقاً مماثلاً في تقرير مصيرهم.
فما هو وعد بلفور؟ ومن أصدره؟ ولماذا دعمته بريطانيا؟ وكيف تحول من رسالة قصيرة إلى سياسة طبقت على الأرض؟ ولماذا بقي في الذاكرة الفلسطينية رمزاً للظلم التاريخي؟
ما هو وعد بلفور؟
وعد بلفور، أو “تصريح بلفور”، هو بيان أصدرته الحكومة البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى بتاريخ:
2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917م.
وجاء على شكل رسالة بعث بها وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر جيمس بلفور إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، طالباً منه نقل مضمونها إلى الاتحاد الصهيوني.
وبحسب الوثيقة الأصلية المنشورة ضمن أرشيف الأمم المتحدة، أعلنت الحكومة البريطانية أنها تنظر بعين التأييد إلى:
“إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين”
وتعهدت باستخدام جهودها لتسهيل تحقيق هذا الهدف.
وفي المقابل، أضاف النص أنه لا ينبغي المساس بالحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود في فلسطين.
لكن الوثيقة لم تتحدث عن حقوقهم السياسية أو الوطنية، ولم تستخدم أصلاً كلمة “الفلسطينيين” أو “العرب”.
لماذا يمثل وعد بلفور مشكلة جوهرية في الرواية الفلسطينية؟
المشكلة لم تكن فقط في أن بريطانيا دعمت الحركة الصهيونية.
الأعمق من ذلك أن قوة خارجية أعلنت موقفاً يتعلق بمستقبل بلاد مأهولة بشعبها من دون أخذ موافقته.
فالنص أعطى بعداً قومياً وسياسياً واضحاً للمشروع الصهيوني عندما تحدث عن “الشعب اليهودي” و”الوطن القومي”، بينما أشار إلى الأغلبية العربية الموجودة في فلسطين باعتبارها مجرد “طوائف غير يهودية”.
ولهذا تشير مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن الوثيقة تعاملت مع اليهود باعتبارهم شعباً له تطلع سياسي، بينما لم تمنح الفلسطينيين في صياغتها حقوقاً سياسية مقابلة.
ومن هنا أصبحت الوثيقة في الذاكرة الفلسطينية مثالاً على تقرير مستقبل فلسطين خارج إرادة أهلها.
فلسطين لم تكن أرضاً خالية من السكان
من الضروري عند الحديث عن وعد بلفور العودة إلى الأرقام، لأنها تكشف جانباً أساسياً من القضية.
لم يُجر التعداد البريطاني الرسمي الأول لفلسطين إلا عام 1922، أي بعد خمس سنوات من التصريح.
وأظهرت الأرقام الرسمية التي قدمتها إدارة الانتداب أن عدد السكان بلغ نحو 757 ألف نسمة، منهم:
- نحو 590 ألف مسلم.
- نحو 84 ألف يهودي.
- نحو 73 ألف مسيحي.
- ومجموعات دينية أصغر.
أي أن العرب، من المسلمين والمسيحيين، كانوا يشكلون الغالبية الكبيرة من سكان فلسطين.
ولهذا فإن القضية من المنظور الفلسطيني واضحة: لم يكن وعد بلفور متعلقاً بأرض بلا مجتمع قائم، بل ببلاد يعيش فيها شعب له مدنه وقراه وأرضه واقتصاده وحياته الاجتماعية والسياسية.

من أصدر وعد بلفور؟
حمل التصريح اسم وزير الخارجية البريطاني:
آرثر جيمس بلفور.
لكن اختزال القرار في شخص بلفور وحده غير دقيق.
فالرسالة نفسها توضح أن الإعلان عُرض على الحكومة البريطانية وحصل على موافقة مجلس الوزراء قبل إرساله.
وبالتالي كان وعد بلفور سياسة حكومية بريطانية، وليس مجرد رأي شخصي لوزير الخارجية.
كما لعبت الحركة الصهيونية وشخصيات مؤيدة لها داخل بريطانيا دوراً مهماً في الدفع باتجاه صدور التصريح، وكان حاييم وايزمن أحد أبرز الناشطين في هذا المجال.
وتعرض الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية تفاصيل السياق السياسي الذي سبق صدور الوعد والعلاقات بين الحركة الصهيونية وصناع القرار البريطانيين.
إلى من أرسل بلفور وعده؟
أُرسلت الرسالة إلى اللورد:
ليونيل والتر روتشيلد
وكان من الشخصيات اليهودية البارزة في بريطانيا ومن المتعاطفين مع المشروع الصهيوني.
وطلب بلفور منه أن ينقل التصريح إلى الاتحاد الصهيوني.
وهذه النقطة ذات دلالة كبيرة بالنسبة إلى الرواية الفلسطينية: الفلسطينيون، وهم سكان البلاد وأغلبيتها، لم يكونوا طرفاً في الخطاب أو التفاوض حول مستقبل فلسطين.
لم تُرسل الرسالة إلى ممثليهم، ولم تُطلب موافقتهم، ولم يُعرض عليهم مشروع “الوطن القومي” الذي أعلنت بريطانيا استعدادها لتسهيله.
ماذا قال وعد بلفور بالضبط؟
يمكن تلخيص مضمون الوعد في ثلاثة عناصر:
- تأييد بريطانيا إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين.
- تعهد الحكومة البريطانية بالمساعدة على تحقيق هذا الهدف.
- القول بعدم المساس بالحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود.
ومن المهم الانتباه إلى ما لم يقله التصريح أيضاً.
فهو لم ينص على:
- حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
- حقوقهم السياسية.
- حقوقهم الوطنية.
- موافقتهم على تغيير مستقبل بلادهم.
- اعتبارهم شعباً صاحب حق قومي في فلسطين.
وهذا الغياب ليس تفصيلاً لغوياً صغيراً، بل يمثل جوهر الاعتراض الفلسطيني على الوثيقة.
هل وعد بلفور وعد بإقامة دولة إسرائيل؟
ليس بهذه العبارة حرفياً.
فالنص استخدم مصطلح:
“وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”
ولم يستخدم عبارة “دولة يهودية”.
لكن الأهمية التاريخية للوعد تظهر في أن بريطانيا لم تكتف بإعلان التأييد النظري، بل أصبحت لاحقاً القوة المنتدبة على فلسطين، وأُدخلت مبادئ التصريح في نظام الحكم نفسه.
وبهذا تحولت فكرة “الوطن القومي” من موقف سياسي إلى برنامج تؤيده سلطة تسيطر فعلياً على فلسطين.
لماذا أصدرت بريطانيا وعد بلفور؟
كانت بريطانيا تخوض الحرب العالمية الأولى، وكانت فلسطين جزءاً من الدولة العثمانية.
وقد تداخلت عدة عوامل في القرار البريطاني، من بينها:
- المصالح الاستراتيجية البريطانية في الشرق الأوسط.
- موقع فلسطين بالقرب من مصر وقناة السويس.
- الصراع مع الدولة العثمانية.
- حسابات بريطانيا لما بعد الحرب.
- نشاط الحركة الصهيونية في لندن.
- وجود مسؤولين بريطانيين مؤيدين للصهيونية.
وتشرح الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية أن التصريح جاء أيضاً في سياق الحسابات الإمبراطورية البريطانية والتنافس الدولي خلال الحرب.
ومن وجهة النظر الفلسطينية، فإن هذه الدوافع تكشف أن مستقبل فلسطين عولج ضمن حسابات القوى الكبرى، لا وفق إرادة سكان البلاد.
هل وافق الفلسطينيون على وعد بلفور؟
لا.
رفض الفلسطينيون المشروع منذ سنواته الأولى، ولم يكن الرفض موقفاً سياسياً متأخراً ظهر بعد قيام إسرائيل.
ففي عام 1919 اجتمع ممثلون فلسطينيون في القدس ضمن المؤتمر العربي الفلسطيني الأول.
وتوضح الوثيقة الأصلية التي رفعها المؤتمر إلى مؤتمر باريس للسلام أن المندوبين الفلسطينيين اعترضوا بوضوح على تحويل بلادهم إلى وطن قومي للحركة الصهيونية.
كما رفعت الحركة الوطنية الفلسطينية في فبراير/شباط 1919 عريضة أخرى إلى مؤتمر باريس للسلام، أكدت فيها مطالب السكان العرب ورؤيتهم لمستقبل بلادهم.
إذن، فإن القول إن الفلسطينيين رفضوا وعد بلفور ليس قراءة حديثة للتاريخ، بل حقيقة موثقة في وثائقهم السياسية منذ تلك المرحلة.
كيف قاوم الفلسطينيون وعد بلفور؟
لم يقتصر الرفض الفلسطيني على البيانات.
فقد ظهر في:
- المؤتمرات الوطنية.
- المذكرات السياسية.
- الوفود التي توجهت إلى بريطانيا.
- الاحتجاجات الشعبية.
- الإضرابات.
- النشاط الصحفي والسياسي.
- المطالبة بحكومة تمثل أغلبية السكان.
- الاعتراض على الهجرة والاستيطان.
وتوثق الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية أن رفض سياسة بلفور ظل حاضراً في اجتماعات المؤتمرات الفلسطينية والوفود التي أُرسلت إلى لندن خلال سنوات الانتداب.
وهذا يكشف أن الفلسطيني لم يكن مجرد متفرج على ما يحدث في بلاده، بل حاول سياسياً وشعبياً الدفاع عن حقه في أرضه ومستقبله.
كيف تحول وعد بلفور إلى سياسة على الأرض؟

هنا تكمن الخطورة التاريخية الحقيقية للوعد.
لو بقيت رسالة بلفور مجرد رسالة سياسية، لكان تأثيرها مختلفاً.
لكن بعد الحرب العالمية الأولى أصبحت بريطانيا القوة التي تدير فلسطين.
وفي عام 1922 أقرت عصبة الأمم صك الانتداب على فلسطين.
وقد أُدرج وعد بلفور في مقدمة صك الانتداب الرسمي، وأصبحت بريطانيا مسؤولة عن تنفيذ سياسة إقامة الوطن القومي اليهودي.
وبذلك لم يعد الأمر مجرد تعاطف بريطاني مع الحركة الصهيونية؛ بل أصبح جزءاً من النظام السياسي والإداري الذي حكم فلسطين.
ماذا فعل الانتداب لتنفيذ وعد بلفور؟
تظهر قراءة مواد صك الانتداب أن السياسة كانت عملية وليست رمزية.
المادة الثانية
أعطت بريطانيا مسؤولية إنشاء الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية التي تساعد على إقامة الوطن القومي اليهودي.
المادة الرابعة
اعترفت بهيئة يهودية تتعاون مع إدارة فلسطين في المسائل المتعلقة بإقامة الوطن القومي اليهودي.
المادة السادسة
نصت على تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان اليهودي على الأرض وفق الشروط التي وضعها الانتداب.
يمكن قراءة هذه المواد مباشرة في النص الكامل لصك الانتداب.
ومن المنظور الفلسطيني، أدى ذلك إلى اختلال واضح: الحركة الصهيونية حصلت على اعتراف مؤسسي ومساندة لبناء مشروع قومي، بينما لم يحصل الفلسطينيون على مؤسسة وطنية موازية تعبر عن حقهم السياسي في بلادهم.
وعد بلفور والهجرة إلى فلسطين
كانت الهجرة الصهيونية قد بدأت قبل عام 1917، لذلك من غير الدقيق القول إنها بدأت بسبب وعد بلفور وحده.
لكن الفرق المهم هو أن مرحلة الانتداب وفرت إطاراً سياسياً وقانونياً جديداً للهجرة.
وتكشف الأرقام حجم التحول.
فبحسب البيانات الرسمية لعهد الانتداب، بلغ عدد اليهود في تعداد عام 1922 نحو 84 ألف نسمة.
ثم ارتفعت الأعداد بصورة كبيرة خلال العقود التالية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى وصول عدد اليهود في فلسطين إلى أكثر من 600 ألف نسمة بحلول عام 1946، في مقابل أكثر من 1.2 مليون عربي تقريباً.
وهكذا شهدت فلسطين خلال الانتداب تغيراً سكانياً وسياسياً واسعاً، بينما بقي الفلسطينيون يقاومون مشروعاً يرون أنه يهدد حقهم في أرضهم ومستقبلهم.
وعد بلفور والأرض الفلسطينية
لا يمكن فهم القضية من خلال أعداد السكان وحدها.
فإقامة وطن قومي تحتاج إلى أرض ومؤسسات واقتصاد وبنية سياسية.
وخلال الانتداب نمت المؤسسات التابعة للحركة الصهيونية، وتوسعت عمليات شراء الأراضي والاستيطان والتنظيم الاقتصادي والعسكري والسياسي.
أما الفلسطينيون فواجهوا سلطة انتداب تتحكم بالإدارة والقوانين، وفي الوقت نفسه تنفذ التزاماً معلناً تجاه المشروع الصهيوني.
ولهذا ترى الرواية الفلسطينية أن الانتداب لم يكن مجرد إدارة أجنبية محايدة، بل كان إطاراً سمح للمشروع الصهيوني ببناء مؤسساته تحت حماية قوة استعمارية.
ما علاقة وعد بلفور بالنكبة؟
حدثت النكبة الفلسطينية عام 1948 بعد أكثر من ثلاثين عاماً من صدور وعد بلفور.
لذلك لا يمكن تفسير النكبة بوثيقة واحدة فقط.
لكن لا يمكن أيضاً عزل عام 1948 عن المسار الذي بدأ قبل ذلك بعقود.
فخلال فترة الانتداب:
- ازدادت الهجرة اليهودية.
- توسعت المؤسسات الصهيونية.
- تطورت القدرات العسكرية والتنظيمية.
- تغيرت البنية السكانية.
- استمر الصراع حول الأرض والسيادة.
- حُرم الفلسطينيون من تحقيق استقلالهم الوطني.
ثم جاءت حرب عام 1948، وتعرض مئات الآلاف من الفلسطينيين للتهجير من مدنهم وقراهم، لتبدأ مأساة اللجوء الفلسطيني المستمرة.
ولهذا يحتل وعد بلفور مكانة محورية في الرواية الفلسطينية باعتباره محطة سياسية أساسية في الطريق الذي انتهى بالنكبة.
لماذا يصف الفلسطينيون وعد بلفور بأنه ظلم تاريخي؟
لأن جوهر القضية بالنسبة إليهم ليس فقط أن بريطانيا أصدرت رسالة.
بل إن دولة كبرى استخدمت نفوذها السياسي والعسكري لدعم مشروع قومي في فلسطين من دون موافقة شعب البلاد.
فالوثيقة:
- اعترفت بحق قومي لطرف.
- لم تعترف بحق قومي مماثل للفلسطينيين.
- تجاهلت الإرادة السياسية للأغلبية العربية.
- تحولت لاحقاً إلى جزء من صك الانتداب.
- رافقتها سياسات سهّلت بناء مؤسسات المشروع الصهيوني.
- انتهت مرحلة الانتداب من دون أن ينال الفلسطينيون استقلالهم.
لهذا لا ينظر الفلسطينيون إلى 2 نوفمبر/تشرين الثاني باعتباره تاريخ رسالة قديمة فقط، بل تاريخاً يرتبط مباشرةً بقضية الأرض واللجوء والحقوق الوطنية.
هل كان الفلسطينيون “طوائف غير يهودية” فقط؟
هذه العبارة من أكثر أجزاء وعد بلفور إثارة للاعتراض.
لأنها اختزلت أغلبية سكان فلسطين في تعريف سلبي:
غير يهوديين.
لم تقل الوثيقة “الشعب الفلسطيني”، ولم تعترف لهم بحق تقرير المصير، بينما استخدمت تعبيراً قومياً واضحاً عند الحديث عن الطرف الذي أيدت بريطانيا مشروعه.
والأرقام البريطانية الرسمية نفسها تثبت أن من وصفتهم الوثيقة بـ”الطوائف غير اليهودية” كانوا الغالبية الساحقة من سكان البلاد.
ولهذا أصبحت طريقة الصياغة نفسها دليلاً مهماً في قراءة الفلسطينيين لطبيعة الوعد.
هل كان وعد بلفور ملزماً قانونياً؟
عند صدوره عام 1917 كان وعد بلفور إعلاناً سياسياً بريطانياً، وليس اتفاقية وقّعها الفلسطينيون.
لكن وضعه تغير عندما أُدخلت مبادئه في صك الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم سنة 1922.
وبالتالي اكتسبت السياسة البريطانية المتعلقة بالوطن القومي إطاراً دولياً في نظام الانتداب السائد آنذاك.
لكن هذا لا يعني أن الفلسطينيين قبلوا به.
فالوثائق الفلسطينية المعاصرة لتلك الفترة تؤكد رفضهم لتلك السياسة ومطالبتهم بأن يكون مستقبل بلادهم خاضعاً لإرادة سكانها.
هل أدى الفلسطينيون دوراً سياسياً في مواجهة الوعد؟
نعم.
ومن الخطأ تصوير الفلسطينيين في تلك المرحلة كأنهم مجتمع بلا موقف سياسي.
فقد عقدوا المؤتمرات وشكلوا الجمعيات وأرسلوا الوفود ورفعوا المذكرات والعرائض.
ومن أهم الأمثلة المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس عام 1919، الذي وثق بوضوح اعتراض الفلسطينيين على جعل بلادهم وطناً قومياً للحركة الصهيونية.
هذه الوثائق مهمة لأنها تنقل الصوت الفلسطيني من زمن الحدث نفسه، بدلاً من الاعتماد فقط على قراءات ظهرت بعد عقود.
هل تجاهلت بريطانيا الاعتراض الفلسطيني؟
استمرت بريطانيا في تطبيق سياسة الوطن القومي رغم المعارضة الفلسطينية الواسعة.
وتشير الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية إلى أن لجان تحقيق مختلفة سجلت المعارضة العربية الواسعة لسياسة بلفور.
ورغم ذلك، بقي الالتزام بالوطن القومي جزءاً أساسياً من السياسة البريطانية طوال سنوات طويلة من الانتداب.
وهنا يظهر جوهر الموقف الفلسطيني: لم تكن المشكلة نقصاً في التعبير عن الرفض، بل في أن رفض الأغلبية لم يوقف المشروع الذي فُرض على بلادها.
ماذا بقي من وعد بلفور بعد أكثر من قرن؟
مر أكثر من قرن على صدور وعد بلفور، لكن القضية التي أثارها لم تتحول إلى مسألة تاريخية منتهية.
فما زالت فلسطين مرتبطة بقضايا:
- الأرض.
- اللاجئين.
- حق تقرير المصير.
- القدس.
- الاستيطان.
- السيادة.
- الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ولهذا يبقى فهم وعد بلفور ضرورياً لفهم جذور القضية الفلسطينية الحديثة.
إن قراءة الوثيقة من المنظور الفلسطيني لا تعني تجاهل نصها أو سياقها، بل العودة إليهما بدقة: شعب كان يعيش في فلسطين ويشكل أغلبية سكانها لم يُسأل عن مستقبل وطنه، بينما تعهدت قوة خارجية بمساندة مشروع قومي آخر على الأرض نفسها.
وهذه هي المسألة التي جعلت وعد بلفور حاضراً في الذاكرة الفلسطينية حتى اليوم.
أسئلة شائعة عن وعد بلفور
متى صدر وعد بلفور؟
صدر في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917م أثناء الحرب العالمية الأولى.
من أصدر وعد بلفور؟
صدر باسم الحكومة البريطانية، وحمل توقيع وزير خارجيتها آرثر جيمس بلفور.
إلى من أُرسل وعد بلفور؟
أُرسل إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، وطُلب منه نقل مضمونه إلى الاتحاد الصهيوني.
ماذا وعدت بريطانيا؟
أعلنت تأييد إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وتعهدت بالمساعدة على تحقيقه.
هل ذكر وعد بلفور الفلسطينيين؟
لم يستخدم كلمة “الفلسطينيين” أو “العرب”، بل وصف سكان فلسطين غير اليهود بأنهم “الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين”.
هل اعترف الوعد بحقوق الفلسطينيين السياسية؟
لا. ذكر حقوقهم المدنية والدينية، لكنه لم ينص على حقوقهم السياسية أو الوطنية أو حقهم في تقرير المصير.
هل كان الفلسطينيون أغلبية في فلسطين؟
نعم. ويثبت التعداد البريطاني لعام 1922 أن المسلمين والمسيحيين العرب شكلوا الغالبية الكبيرة من سكان البلاد.
هل وافق الفلسطينيون على وعد بلفور؟
لا. وتوثق وثائق المؤتمر العربي الفلسطيني الأول والمؤتمرات والوفود اللاحقة رفضاً فلسطينياً منظماً لهذه السياسة منذ السنوات الأولى.
هل أنشأ وعد بلفور إسرائيل مباشرةً؟
لا. لكنه شكل أساساً سياسياً رئيسياً لسياسة بريطانيا خلال الانتداب، وساعد في توفير إطار تطورت في داخله المؤسسات والهجرة والاستيطان الصهيوني قبل قيام إسرائيل عام 1948.
ما علاقة وعد بلفور بالنكبة؟
لا يمكن اعتبار الوعد السبب الوحيد للنكبة، لكنه كان محطة تأسيسية في مسار سياسي استمر خلال الانتداب البريطاني وانتهى عام 1948 بقيام إسرائيل وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين.
الخلاصة
لم يكن وعد بلفور بالنسبة إلى فلسطين مجرد رسالة من وزير بريطاني إلى شخصية يهودية في لندن.
لقد كانت الوثيقة بداية التزام سياسي بريطاني تجاه إقامة وطن قومي للحركة الصهيونية في بلاد كان العرب الفلسطينيون يشكلون أغلبية سكانها.
ولم تمنح الرسالة الفلسطينيين اعترافاً بحقوق سياسية أو وطنية مماثلة، بل اختزلتهم في عبارة “الطوائف غير اليهودية”، رغم أنهم كانوا أصحاب المجتمع الأكبر القائم على أرض فلسطين.
ثم انتقل الوعد من الكلمات إلى الواقع عندما أُدرج في صك الانتداب، وساهمت السياسات البريطانية في توفير ظروف نمو المشروع الصهيوني والهجرة ومؤسساته.
وفي المقابل، لم يقف الفلسطينيون صامتين؛ فقد رفضوا الوعد منذ بداياته، وعقدوا المؤتمرات وأرسلوا الوفود ورفعوا المذكرات واحتجوا على فرض مستقبل لا يعبر عن إرادتهم.
ولهذا يمثل وعد بلفور في الرواية الفلسطينية أكثر من وثيقة عمرها أكثر من قرن؛ إنه محطة أساسية لفهم كيف حُرم شعب فلسطين من تقرير مستقبل بلاده، وكيف بدأت سلسلة من التحولات التي قادت لاحقاً إلى النكبة واللجوء واستمرار القضية الفلسطينية حتى يومنا هذا.
مصادر موثوقة للتوسع
- الأمم المتحدة – النص الأصلي لوعد بلفور
- الأمم المتحدة – صك الانتداب على فلسطين
- الأمم المتحدة – تقرير الانتداب وتعداد سكان فلسطين عام 1922
- الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية – وعد بلفور
- المؤتمر العربي الفلسطيني الأول – الوثيقة المرفوعة إلى مؤتمر باريس للسلام عام 1919
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية – تصريح بلفور




