لم ينتظر الفلسطينيون نكبة عام 1948 حتى يعترضوا على وعد بلفور، ولم يظهر رفضهم بعد عقود من صدور التصريح كما توحي بعض الروايات المختصرة، بل بدأ الاعتراض السياسي الفلسطيني والعربي منذ السنوات الأولى التي أعقبت إعلان بريطانيا في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917 تأييدها إقامة “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”.
وتكشف الوثائق الفلسطينية والبريطانية والدولية أن رفض وعد بلفور اتخذ منذ البداية أشكالاً متعددة: المؤتمرات السياسية، العرائض، المذكرات، الوفود إلى أوروبا، الاحتجاجات الشعبية، ثم تصاعد الصدام مع سياسات الانتداب البريطاني والهجرة والاستيطان.
وكان جوهر الموقف الفلسطيني بسيطاً وواضحاً: سكان فلسطين العرب كانوا يشكلون الغالبية في بلادهم، ومع ذلك صدر قرار يتعلق بمستقبل وطنهم من دون استشارتهم أو الحصول على موافقتهم.
فكيف بدأ الفلسطينيون رفض وعد بلفور؟ وما موقف العرب منه؟ وما دور المؤتمرات الفلسطينية والوفود إلى لندن؟ وهل كانت بريطانيا تعرف أن غالبية الفلسطينيين ترفض سياستها؟
ولفهم الوعد نفسه قبل متابعة قصة المقاومة الفلسطينية له، اقرأ:
وعد بلفور: ما هو؟ أسبابه ونتائجه على فلسطين
لماذا رفض الفلسطينيون وعد بلفور؟
رفض الفلسطينيون وعد بلفور لأنهم رأوا فيه تدخلاً خارجياً في مستقبل بلادهم ومساساً بحقهم في تقرير المصير.
فالتصريح البريطاني تحدث عن إقامة “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”، بينما لم يعترف بالعرب الفلسطينيين بوصفهم شعباً له حقوق وطنية وسياسية مماثلة.
بل أشار إليهم النص فقط باعتبارهم:
“الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين”.
ولهذا لم يكن الخلاف الفلسطيني مع الوعد متعلقاً بمجرد اختيار كلمات غير مناسبة، بل بطبيعة المشروع السياسي نفسه.
فبالنسبة إلى الفلسطينيين، كان السؤال:
كيف تستطيع بريطانيا أن تؤيد مشروعاً قومياً على أرض فلسطين من دون موافقة أغلبية سكانها؟
ولقراءة تحليل كامل لصياغة الوثيقة، راجع:
نص وعد بلفور بالعربية والإنجليزية وشرح عباراته بالتفصيل
هل بدأ الرفض الفلسطيني فور صدور الوعد؟
بدأ الرفض سريعاً خلال السنوات الأولى التي أعقبت التصريح والاحتلال البريطاني لفلسطين.
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وبدء الإدارة البريطانية، تحولت المخاوف الفلسطينية من مضمون الوعد إلى نشاط سياسي منظم.
فظهرت جمعيات سياسية، وعُقدت مؤتمرات وطنية، وبدأ الفلسطينيون إرسال المذكرات والبرقيات إلى القوى الدولية للاعتراض على تحويل فلسطين إلى وطن قومي للحركة الصهيونية.
وتوثق الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية أن المعارضة العربية الفلسطينية لوعد بلفور ظهرت منذ البداية في صور متعددة، وظلت بنداً رئيسياً على جدول أعمال المؤتمرات الفلسطينية المتعاقبة.
الجمعيات الإسلامية المسيحية وبداية التنظيم الفلسطيني
في عام 1918، وبعد انتهاء الحكم العثماني ووقوع فلسطين تحت السيطرة البريطانية، بدأت تتشكل الجمعيات الإسلامية المسيحية في عدد من المدن الفلسطينية.
وكان الاسم نفسه يعبر عن محاولة بناء حركة وطنية تضم المسلمين والمسيحيين على أساس الانتماء إلى فلسطين، بعيداً عن التقسيمات الدينية التي استخدمها وعد بلفور عندما وصف سكان البلاد بـ”الطوائف غير اليهودية”.
وساهمت هذه الجمعيات في تنظيم النشاط السياسي والاحتجاجات وإرسال المذكرات، كما أصبحت جزءاً مهماً من البنية التي خرجت منها المؤتمرات الوطنية الفلسطينية.
وتعرض الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية في تسلسلها للمؤتمرات الوطنية نشأة هذه الجمعيات ثم انتقال العمل الوطني إلى مرحلة المؤتمرات الفلسطينية.
المؤتمر العربي الفلسطيني الأول عام 1919
تُعد سنة 1919 محطة مركزية في تاريخ الرفض الفلسطيني لوعد بلفور.
فبين 27 يناير/كانون الثاني و10 فبراير/شباط 1919، انعقد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس بمشاركة ممثلين عن مناطق فلسطينية مختلفة.
وفي 3 فبراير/شباط، رفع المؤتمر عريضة إلى مؤتمر باريس للسلام، تحدث فيها باسم السكان العرب من المسلمين والمسيحيين، وطالب بأن يكون لهم حق في تحديد مستقبل بلادهم.

ويمكن قراءة وثيقة المؤتمر الأصلية المرفوعة إلى مؤتمر باريس للسلام.
وتكشف الوثيقة أن الفلسطينيين لم يكونوا ساكنين أو بلا موقف سياسي؛ بل حاولوا منذ وقت مبكر مخاطبة النظام الدولي بلغته نفسها: حق الشعوب في تقرير مصيرها.
ماذا طلب المؤتمر الفلسطيني الأول؟
ركز المؤتمر على عدة مطالب أساسية.
كان في مقدمتها رفض المشروع الصهيوني الذي يستهدف إقامة وطن قومي في فلسطين.
كما طالب ممثلو الفلسطينيين بأن تتمتع بلادهم بنظام سياسي يعكس إرادة سكانها.
وكانت فلسطين في تلك المرحلة تُناقش أيضاً في إطار مشروع عربي أوسع مرتبط بسوريا الطبيعية، لكن العامل الثابت في الموقف الفلسطيني كان رفض تحويل البلاد إلى وطن قومي صهيوني ورفض الهجرة السياسية التي رأوا أنها تهدد مستقبلهم.
وتشير وثائق المؤتمر إلى أن ممثليه تحدثوا باسم العرب المسلمين والمسيحيين المقيمين في فلسطين.
هل كان الرفض فلسطينياً فقط أم عربياً أيضاً؟
لم يكن الاعتراض محصوراً داخل فلسطين.
فبعد انهيار الدولة العثمانية، كانت أجزاء واسعة من العالم العربي تشهد مطالب بالاستقلال ورفض السيطرة الاستعمارية الأوروبية.
لذلك نظر كثير من القادة والمثقفين العرب إلى وعد بلفور باعتباره جزءاً من مشكلة أوسع تتمثل في قيام بريطانيا وفرنسا بتقرير مستقبل المنطقة.
كما ارتبطت القضية الفلسطينية في تلك المرحلة بمطالب الحركة العربية في سوريا وبلاد الشام.
ومن هنا شارك ممثلون فلسطينيون في المؤتمر السوري العام، الذي رفض المشروع الصهيوني وطالب بالاستقلال.
وتعرض دراسة الأمم المتحدة عن جذور القضية الفلسطينية القرارات العربية المبكرة التي عبّرت عن رفض إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين.
لجنة كينغ–كرين عام 1919
من أهم الأدلة على قوة الموقف الشعبي العربي تجاه فلسطين ما سجلته لجنة كينغ–كرين الأميركية عام 1919.
أرسلت اللجنة للاستماع إلى آراء سكان المنطقة حول مستقبل الأراضي التي خرجت من الحكم العثماني.
وزارت فلسطين واستمعت إلى وفود وممثلين من فئات اجتماعية وسياسية مختلفة.
وتوضح الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية في دراستها للجنة كينغ–كرين أن اللجنة جمعت نحو 260 عريضة في فلسطين، وأن غالبية كبيرة منها تضمنت رفضاً للمشروع الصهيوني.
ماذا اكتشفت لجنة كينغ–كرين؟
وجدت اللجنة أن المعارضة العربية للمشروع الصهيوني كانت واسعة وليست محصورة في مجموعة سياسية صغيرة.
وقد استمعت إلى ممثلين عن:
- القيادات الدينية.
- التجار.
- رؤساء البلديات.
- الوجهاء.
- المزارعين.
- شيوخ العشائر.
- المجالس المحلية.
- مجموعات أخرى من المجتمع.
وجاءت العرائض الفلسطينية بصورة متقاربة في رفضها تحويل فلسطين إلى دولة أو وطن قومي صهيوني يغير طبيعة البلاد السياسية.
ولهذا أوصت اللجنة بتعديل البرنامج الصهيوني المتطرف المرتبط بالهجرة غير المحدودة وتحويل فلسطين إلى دولة ذات أغلبية يهودية.
ويمكن قراءة توصيات لجنة كينغ–كرين الأصلية.
هل أخذت القوى الكبرى برأي الفلسطينيين؟
على الرغم من أن لجنة كينغ–كرين سجلت رفضاً عربياً واسعاً، فإن تقريرها لم يصبح أساساً للسياسة الدولية تجاه فلسطين.
وفي النهاية، مُنح الانتداب على فلسطين لبريطانيا، وأصبحت مبادئ وعد بلفور جزءاً من النظام الذي حكمت من خلاله البلاد.
ومن هنا تعزز الشعور الفلسطيني بأن التعبير السياسي والعرائض والوفود لم تكن كافية لتغيير سياسة القوى الكبرى.
وتشير دراسة الأمم المتحدة إلى أن السياسات المتعلقة بالوطن القومي استمرت رغم المعارضة العربية الواضحة. ويمكن مراجعة الجزء الأول من دراسة جذور القضية الفلسطينية.
المؤتمرات الفلسطينية تتحول إلى إطار وطني
لم يتوقف النشاط السياسي عند مؤتمر 1919.
فخلال السنوات التالية عُقدت سلسلة من المؤتمرات العربية الفلسطينية التي أصبحت الإطار الأبرز للعمل الوطني الفلسطيني.
وتوثق الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية مؤتمرات عقدت في:
وظل رفض وعد بلفور وسياسات الوطن القومي والهجرة الصهيونية موضوعاً مركزياً فيها.
المؤتمر الفلسطيني الثالث في حيفا
انعقد المؤتمر الفلسطيني الثالث في حيفا في ديسمبر/كانون الأول 1920.
وجاءت قراراته أكثر وضوحاً في تحديد المطالب السياسية الفلسطينية.
فقد رفض وعد بلفور وطالب بوقف الهجرة الصهيونية وإقامة حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي يمثل سكان فلسطين.
كما أكد الاتجاه الوطني الفلسطيني أن حقوق اليهود المقيمين في فلسطين يمكن حمايتها ضمن نظام سياسي يمثل السكان، من دون تحويل البلاد إلى مشروع قومي مفروض على الأغلبية.
وتعرض الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية تسلسل المؤتمرات الوطنية وتطور مطالبها.
من هو موسى كاظم الحسيني؟
برز موسى كاظم الحسيني بوصفه واحداً من أهم وجوه الحركة الوطنية الفلسطينية خلال تلك المرحلة.
وتولى رئاسة اللجنة التنفيذية العربية، وقاد عدداً من الوفود الفلسطينية التي حاولت مخاطبة الحكومة البريطانية بصورة مباشرة.
وكان الهدف الرئيسي لهذه الوفود إقناع بريطانيا بالتراجع عن سياسة وعد بلفور والاعتراف بحق الفلسطينيين في حكومة وطنية تمثلهم.
وتوثق المصادر الفلسطينية أن الحسيني ترأس الوفد الذي أرسله المؤتمر الفلسطيني الرابع إلى لندن عام 1921.
المؤتمر الفلسطيني الرابع وقرار الذهاب إلى لندن
عُقد المؤتمر الفلسطيني الرابع في القدس بين نهاية مايو/أيار وبداية يونيو/حزيران 1921.
وكان أحد أهم قراراته إرسال وفد فلسطيني إلى بريطانيا.
وكان المنطق واضحاً: إذا كانت لندن هي التي أصدرت وعد بلفور وهي التي تحكم فلسطين، فلا بد من نقل الموقف الفلسطيني مباشرة إلى الحكومة والرأي العام البريطاني.
وتوثق الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية أن المؤتمر قرر إرسال الوفد الذي بدأ مفاوضاته في لندن خلال صيف 1921.
ماذا طلب الوفد الفلسطيني في لندن؟
حمل الوفد مجموعة من المطالب، وكان أبرزها:
- التخلي عن وعد بلفور.
- وقف السياسة التي تهدف إلى إقامة الوطن القومي اليهودي.
- الاعتراف بالحقوق السياسية للفلسطينيين.
- إقامة حكومة دستورية تمثل سكان البلاد.
- إعادة النظر في سياسات الهجرة.
واستمرت المفاوضات فترة طويلة، لكنها اصطدمت بإصرار الحكومة البريطانية على أن وعد بلفور يمثل أساس سياستها.
ماذا كان رد بريطانيا على الوفد الفلسطيني؟
كان الرد البريطاني واضحاً في نقطة أساسية:
لا تراجع عن وعد بلفور.
وتكشف المراسلات الرسمية بين الحكومة البريطانية والوفد العربي الفلسطيني عام 1922 أن وزير المستعمرات ونستون تشرشل أبلغ الوفد بأن بريطانيا لا تنوي التخلي عن التزاماتها المتعلقة بالوطن القومي اليهودي.
ورد الوفد الفلسطيني بأن سكان فلسطين لا يستطيعون قبول وعد بلفور كأساس لمناقشة مستقبل بلادهم.
الوثيقة الفلسطينية إلى تشرشل
في يونيو/حزيران 1922، بعث الوفد الفلسطيني برد تفصيلي على السياسة البريطانية.
وأكد الوفد أنه يمثل المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين، واعترض على استمرار تطبيق وعد بلفور.
كما عبّر عن مخاوفه من أن تؤدي السياسة البريطانية والهجرة الصهيونية إلى إخضاع السكان العرب سياسياً واقتصادياً.
ويمكن قراءة هذه المراسلات ضمن الوثيقة البريطانية المنشورة في أرشيف الأمم المتحدة.
وتحمل الوثيقة أهمية كبيرة لأنها تعرض الموقف الفلسطيني بلغته السياسية المباشرة، وليس من خلال تفسير ظهر لاحقاً.
الكتاب الأبيض لتشرشل عام 1922
أمام المعارضة الفلسطينية المتزايدة، أصدرت الحكومة البريطانية ما عُرف باسم الكتاب الأبيض لتشرشل عام 1922.
وحاولت بريطانيا من خلاله توضيح أن وعد بلفور لا يعني تحويل فلسطين كلها إلى وطن قومي يهودي أو إلغاء المجتمع العربي.
ويمكن قراءة نص الكتاب الأبيض لتشرشل.
لكن الحكومة البريطانية أعادت في الوقت نفسه تأكيد تمسكها بوعد بلفور وباستمرار إقامة الوطن القومي.
ولهذا لم يعتبر الفلسطينيون الكتاب الأبيض استجابة لمطالبهم الأساسية.
لماذا رفض الفلسطينيون الكتاب الأبيض؟
لأن المشكلة بالنسبة إليهم لم تكن فقط الخوف من تحول كل فلسطين فوراً إلى دولة يهودية.
بل كانت في المبدأ نفسه:
لماذا تُمنح الحركة الصهيونية حقوقاً قومية خاصة في فلسطين بينما يُحرم شعب البلاد من الاستقلال السياسي؟
كما أن الحكومة البريطانية أكدت أن الوجود القومي اليهودي في فلسطين سيكون معترفاً به “كحق” وليس مجرد إقامة مؤقتة.
ولهذا اعتبر الوفد الفلسطيني أن التفسير البريطاني لم يعالج جوهر المشكلة.
هل أثرت الاحتجاجات الفلسطينية في السياسة البريطانية؟
أجبرت المعارضة الفلسطينية بريطانيا على إصدار التوضيحات وتشكيل لجان التحقيق وإعادة تفسير سياستها مرات متعددة.
وتؤكد الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية أن المعارضة الفلسطينية المتواصلة كانت من الأسباب التي دفعت بريطانيا إلى إصدار الكتاب الأبيض لعام 1922.
لكن هذه التعديلات لم تصل إلى حد إلغاء وعد بلفور أو الاعتراف بالمطلب الفلسطيني الأساسي بإقامة حكومة وطنية مستقلة في تلك المرحلة.
الاحتجاجات الشعبية في فلسطين
لم يقتصر الرفض على النخب السياسية والمؤتمرات.
فقد خرجت احتجاجات ومظاهرات شعبية، وظهرت حالة توتر متزايدة بين السكان العرب والسلطات البريطانية والحركة الصهيونية.
وتشير المصادر التاريخية إلى مظاهرات وصدامات خلال عامي 1920 و1921.
وتوثق الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية أن المعارضة لوعد بلفور ظهرت في الاحتجاجات الشعبية وكذلك في الاشتباكات التي وقعت في أبريل/نيسان 1920 ومايو/أيار 1921.
لكن اختزال الحركة الفلسطينية في تلك الصدامات وحدها سيكون مضللاً؛ فجانب كبير من المقاومة في هذه المرحلة كان سياسياً ودبلوماسياً وتنظيمياً.
هل كانت المقاومة الفلسطينية ضد اليهود كدين؟
من المهم التفريق هنا بين اليهودية باعتبارها ديناً، وبين الصهيونية باعتبارها حركة سياسية قومية.
فالوثائق الفلسطينية في تلك المرحلة ركزت اعتراضها أساساً على:
- المشروع الصهيوني.
- الهجرة السياسية المنظمة.
- وعد بلفور.
- سياسات الانتداب.
- الخوف من فقدان الأغلبية السياسية والسيادة على البلاد.
وتشير شهادات جُمعت أمام لجنة كينغ–كرين إلى أن ممثلين عرباً فرّقوا بين اليهود المحليين المقيمين في البلاد وبين المشروع الصهيوني المرتبط بالهجرة وإقامة وطن قومي.
وتناقش الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية هذا التمييز في عرضها للجنة كينغ–كرين.
موقف العرب خارج فلسطين
حظيت القضية الفلسطينية باهتمام سياسي وصحفي متزايد في البلدان العربية.
وكان وعد بلفور يُنظر إليه في سياق أوسع من مقاومة السيطرة الاستعمارية الفرنسية والبريطانية في المنطقة.
كما ارتبط الفلسطينيون بالحركات السياسية في سوريا ولبنان والعراق ومصر، ونشطت الصحافة العربية في تغطية القضية.
ومع مرور الوقت أصبحت فلسطين قضية عربية تتجاوز حدود البلاد نفسها.
لكن من المهم في الوقت ذاته عدم تذويب الفلسطينيين داخل الموقف العربي العام؛ فقد كان لديهم نشاط سياسي مستقل ومؤتمرات ووفود ومطالب خاصة بفلسطين منذ مرحلة مبكرة.
لماذا كان رفض الهجرة محورياً؟
لأن الفلسطينيين لم ينظروا إلى الهجرة الصهيونية باعتبارها هجرة أفراد عادية فقط.
فقد كانت الحركة الصهيونية تعلن أن هدفها إقامة وطن قومي، بينما كانت بريطانيا قد التزمت بتسهيل هذا المشروع.
لذلك ربط الفلسطينيون بين:
الهجرة + الأرض + المؤسسات الصهيونية + مستقبل السلطة السياسية.
وكان خوفهم الأساسي أن تؤدي زيادة الهجرة المنظمة إلى تحول الفلسطينيين مستقبلاً من أغلبية في وطنهم إلى أقلية سياسية.
وهذا ما جعل وقف الهجرة واحداً من أبرز مطالب المؤتمرات الفلسطينية.
لماذا طالب الفلسطينيون بحكومة وطنية؟
رأى الفلسطينيون أن أفضل وسيلة لحماية حقوقهم هي قيام حكومة دستورية تمثل السكان.
فإذا كانت الحكومة مسؤولة أمام مجلس منتخب وفق وزن السكان، فإن الأغلبية العربية ستتمكن من المشاركة الحقيقية في تقرير مستقبل البلاد.
لكن بريطانيا كانت تواجه مشكلة سياسية أساسية: تطبيق حكم الأغلبية في ذلك الوقت كان من شأنه أن يمنح الفلسطينيين القدرة على وقف أو الحد من المشروع الصهيوني الذي تعهدت بريطانيا بدعمه.
ومن هنا نشأ التناقض بين مطلب التمثيل الديمقراطي الفلسطيني وسياسة الوطن القومي.
هل اعترفت لجان التحقيق بقوة المعارضة الفلسطينية؟
نعم.
وتشير الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية إلى أن عدداً من اللجان الأميركية والبريطانية التي درست الوضع في فلسطين سجلت المعارضة العربية الواسعة لسياسة بلفور.
ومن هذه اللجان:
- لجنة كينغ–كرين عام 1919.
- لجنة بالين عام 1920.
- لجنة هايكرافت عام 1921.
- لجان بريطانية أخرى ظهرت لاحقاً خلال الانتداب.
أي أن بريطانيا لم تكن تستطيع القول إنها لم تكن تعرف أن سياستها تواجه رفضاً فلسطينياً واسعاً.
هل نجح الفلسطينيون في إلغاء وعد بلفور؟
لا.
على الرغم من المؤتمرات والوفود والعرائض والاحتجاجات، تمسكت بريطانيا بالتصريح.
والأهم أن مبادئ وعد بلفور أُدرجت في صك الانتداب على فلسطين الذي أقرته عصبة الأمم عام 1922.
وبذلك أصبحت المواجهة الفلسطينية بعد ذلك ليست مع رسالة بريطانية فقط، بل مع نظام سياسي كامل يقوم على تطبيق مبادئها.
وسنتناول هذه المرحلة بالتفصيل في المقال التالي:
ما علاقة وعد بلفور بالانتداب البريطاني على فلسطين؟
لماذا يعد الرفض المبكر مهماً اليوم؟
لأن معرفة التسلسل التاريخي تصحح فكرة شائعة مفادها أن الفلسطينيين لم ينتبهوا إلى خطورة المشروع إلا بعد سنوات طويلة.
الوثائق تقول العكس.
فمنذ عام 1919 على الأقل، كانت القيادات الفلسطينية:
- ترسل البرقيات.
- تعقد المؤتمرات.
- تقدم العرائض.
- تطالب بحق تقرير المصير.
- ترفض الوطن القومي الصهيوني.
- تحذر من آثار الهجرة.
- تسعى إلى حكومة وطنية منتخبة.
ومن هنا فإن الرفض الفلسطيني لوعد بلفور ليس رواية أُنشئت بعد النكبة، بل موقف سياسي موثق منذ بداية المشروع البريطاني.
ماذا تكشف هذه المرحلة عن الحركة الوطنية الفلسطينية؟
تكشف أنها كانت في بدايات القرن العشرين تمتلك وعياً سياسياً وتنظيماً وطنياً أكبر مما توحي به بعض السرديات المختصرة.
صحيح أن الحركة الفلسطينية كانت تعاني الانقسامات الداخلية وضعف الإمكانات مقارنة بقوة بريطانيا والمؤسسات الصهيونية، لكنها لم تكن غائبة.
بل حاولت استخدام الأدوات التي كانت متاحة أمامها:
الدبلوماسية، المؤتمرات، الصحافة، العرائض، الوفود، والاحتجاج الشعبي.
لكن ميزان القوى الدولي لم يكن في صالحها.
أسئلة شائعة عن موقف الفلسطينيين من وعد بلفور
هل رفض الفلسطينيون وعد بلفور منذ البداية؟
نعم. تظهر الوثائق والمؤتمرات السياسية أن الرفض الفلسطيني بدأ خلال السنوات الأولى بعد صدور التصريح.
ما أول مؤتمر فلسطيني رفض وعد بلفور؟
عُقد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس عام 1919، ورفع ممثلوه مطالبهم إلى مؤتمر باريس للسلام.
ماذا طالب الفلسطينيون عام 1919؟
طالبوا بحقهم في تقرير مستقبل بلادهم ورفضوا المشروع الصهيوني الذي يستهدف تحويل فلسطين إلى وطن قومي يهودي.
ما هي لجنة كينغ–كرين؟
هي لجنة أميركية زارت المنطقة عام 1919 للاستماع إلى آراء السكان بشأن مستقبلها، وسجلت رفضاً عربياً واسعاً للمشروع الصهيوني في فلسطين.
هل أرسل الفلسطينيون وفداً إلى بريطانيا؟
نعم. أرسل المؤتمر الفلسطيني الرابع وفداً إلى لندن عام 1921 برئاسة موسى كاظم الحسيني لمحاولة إقناع الحكومة البريطانية بالتراجع عن وعد بلفور.
هل وافقت بريطانيا على إلغاء وعد بلفور؟
لا. أكدت الحكومة البريطانية أنها لن تتراجع عنه.
ما هو الكتاب الأبيض لتشرشل؟
هو بيان سياسة بريطاني صدر عام 1922 حاول توضيح معنى الوطن القومي اليهودي، لكنه أعاد تأكيد الالتزام بوعد بلفور.
هل اقتصر الرفض على القيادات الفلسطينية؟
لا. شاركت قطاعات اجتماعية مختلفة في العرائض والمظاهرات والنشاط الوطني، كما سجلت لجان التحقيق رفضاً عربياً واسعاً.
هل كان الاعتراض الفلسطيني على اليهود أم على الصهيونية؟
ركزت المطالب والوثائق السياسية الفلسطينية أساساً على رفض المشروع الصهيوني والهجرة المرتبطة به والسياسة البريطانية، مع وجود تمييز في عدد من الوثائق بين السكان اليهود المحليين وبين المشروع السياسي الصهيوني.
هل نجح الفلسطينيون في منع إدخال وعد بلفور في الانتداب؟
لا. أُدرجت مبادئ الوعد في صك الانتداب على فلسطين عام 1922، ما نقل الصراع إلى مرحلة جديدة.
الخلاصة
لم يكن رفض الفلسطينيين والعرب لوعد بلفور موقفاً ظهر بعد النكبة أو بعد قيام إسرائيل، بل بدأ منذ السنوات الأولى التالية لصدور التصريح.
فقد أدرك الفلسطينيون مبكراً أن وعد بريطانيا بدعم وطن قومي صهيوني في بلادهم يمكن أن يؤثر في مستقبلهم السياسي والديموغرافي.
ولهذا نظموا أنفسهم في الجمعيات والمؤتمرات، ورفعوا العرائض إلى مؤتمر باريس، وقدموا شهاداتهم للجنة كينغ–كرين، وأرسلوا وفودهم إلى لندن، وطالبوا بحكومة وطنية ووقف الهجرة والتراجع عن وعد بلفور.
وفي المقابل، استمرت بريطانيا في اعتبار وعد بلفور جزءاً أساسياً من سياستها.
حتى عندما اضطرت إلى إصدار توضيحات مثل الكتاب الأبيض لتشرشل عام 1922، لم تتراجع عن مبدأ إقامة الوطن القومي.
ومن هنا تكشف هذه المرحلة عن جوهر الصراع منذ بدايته: شعب فلسطيني يطالب بحق تقرير مصيره في بلاده، في مواجهة سياسة استعمارية دولية التزمت بتنفيذ مشروع قومي لم يكن الفلسطينيون طرفاً في اختياره.
ولذلك فإن دراسة المقاومة الفلسطينية المبكرة لوعد بلفور مهمة لفهم القضية الفلسطينية بأكملها؛ فهي تثبت أن الفلسطينيين لم يكونوا غائبين عن تاريخهم، وإنما عبّروا عن رفضهم بوضوح، لكن ميزان القوة السياسية والدولية كان يعمل ضد مطالبهم.
المصادر
- الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية – وعد بلفور والمعارضة الفلسطينية
- المؤتمر الفلسطيني الأول – العريضة المرفوعة إلى مؤتمر باريس للسلام
- الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية – لجنة كينغ–كرين عام 1919
- توصيات لجنة كينغ–كرين
- الأمم المتحدة – جذور وتطور القضية الفلسطينية 1917–1947
- مراسلات الحكومة البريطانية والوفد العربي الفلسطيني عام 1922
- الكتاب الأبيض لتشرشل عام 1922




